الرأي العام
من النظرية إلى التطبيق

العلاقة بين الرأي العام والسلطة السياسية وانعكاسها على العراق

علي عبود المحمداوي
مدرس الفلسفة المساعد - كلية الاداب - جامعة بغداد

الرأي العام والسياسة العامة
علاقة المطالب بالبرامج الحكومية

إذا كانت السياسة العامة تعني : ماتقوم به الحكومة أو تعتزم القيام به لحل مشكلة عامة تواجه المجتمع ، أو لتوفير حاجات يتطلبها المجتمع أو لتحقيق أهدافه أو حلول مشاكله ([1]) ، فانه يتحتم علينا أن نقر بتأثير الرأي العام على السياسة العامة في تحديد برامجها وموضوعاتها وعليه يمكن القول أن الرأي العام يمثل هنا مرحلتين الأولى تمثل المطالب كسبب لرسم السياسة العامة والمرحلة الثانية هي متابعة نتيجة السياسة المخططة والمتبعة والصادرة عن السلطة ( كسياسة عامة) والمتابعة هذه تعد مصدرا للتغذية الاسترجاعية التي على أساسها تقاس مديات تطابق التشريعات مع مصالح المجتمع ، لكن يتوجب علينا أن نبين معنى أن يكون رأيا ما ، رأياً عاماً . وعليه ماهي شروط أن يكون القول أو الفكر أو الخطاب الجمعي رأياً عاماً ؟
اعتقد انه يمكن تلخيص هذه الشروط بما يلي:
1- أن تكون هنالك حكومة منظمة ، فمن دون سلطة تنظم مطالب الرأي وتستجيب له ، يكون من السخف أن نقر بوجود رأيا عاما .([2])
2- وجوب وجود نوع من التجانس الاجتماعي والذي يمثل مفهوم الأمة ، وذلك بالضد من الانقسامات الطبقية أو السياسية أو الدينية أو العرقية والجنسية ، وذلك لان أي رأي لايمكن أن يأخذ شرعيته باعتباره رأيا عاما مادام مفهوم المصلحة العامة - التي تتمثل بالهوية الكبرى أو الأمة التي تجمع تحتها كل الانقسامات المتوقعة والتي تعرقل نشوء رأي عام - غائب .
3- يجب أن يكون للأقلية حرية التعبير عن جميع آرائها بشرط الوسائل السلمية ، وذلك لأن هامش الحرية هذا يعد مبررا لتكوين الرأي العام وان كان يمثل رأي الأغلبية دونما الأقلية وان كان قد خالفها ، اعتقادا منها إنها شاركت بإبداء رأيها بكل حرية وإنها لم تضطهد من الأغلب بل إنها ستعمل من اجل كسب رأي البعض من الأغلبية إلى صالحها ، وهذه الإمكانية المتاحة تعطي نوع من الشرعية للرأي العام . ([3])
4- أما عن تحقيق ماهية الرأي فليس كل ما يصدر عن الشخص من موقف يعد رأيا فقد يكون ليس صادرا عنه وعن إرادته الواعية الحرة ، وعليه يجب أن لا يكون الموقف والرأي صادرا عن الغير ومتبعا بصورة عمياء وتبعية بلاوعي ، بل يجب توفر الفهم والوعي لرأي الغير([4]) ، ودليل ذلك انه لايمكن عد الرأي الصادر من بعض الأشخاص الطيبين مثلا أو رجال الدين إتباعا أعمى وغير نقدي وغير واعي أو متفهم لأبعاده على انه رأي خاص بنا ومن ثم بمجموع مثل هكذا آراء يكون قد حققنا رأيا عاما ، لا فهنا الرأي لا يعد عاما لأنه ليس خاليا من هيمنة الآخر أو الغير وغياب الحرية للفرد صاحب الرأي وبالتالي غياب حرية المجتمع . وعليه وبعد بيان مستلزمات قيام الرأي العام ، فانه يتحتم علينا أن نفهم بيئة تكونه، وأدوات اتصاله بالسلطة ، واعتماد السياسة العامة عليه .
والبيئة الأساسية لتكوين الرأي العام هي المجال أو الميدان أو الفضاء العام ويقصد به : " مجموعة مؤسسات وأماكن عمومية تقف بين المجتمع المدني والدولة ، وتمارس الوساطة بين المصالح العامة والمصالح الخاصة "([5]) وهو يتكون من الصالونات الأدبية والثقافية بالإضافة إلى المقاهي والمشارب والأماكن المشتركة التي تجعل إمكانية قيام رأي عام يعارض أو يتابع سلطة الدولة وبرامجها قائماً .
و تلعب المعارضة والنقد والتقويم دور الثيمة الأساسية في الرأي العام ولاسيما حينما تظهر كمطالب تجاه النظام السياسي وسلطته من اجل تعديل نتائج السياسة العامة والحكومية لكي تكون ملائمة للمصلحة العامة ، وعليه يرى البعض إن القدرة على المعارضة - وهي عنصر تكويني أساسي في اللعبة السياسية- هي في طريقها إلى الاختفاء ، وعليه ينبغي إذا إعادة إطلاق أخلاقية المناقشة والحوار للتصدي ولصنع الرأي العام والذي هيمن عليه محترفو السياسة والتسويق وشركات الإعلان ، لذلك يتضح أهمية الرقابة على عالم السياسة ([6]) ، وعلى ذلك فإن إعادة البعدين الأخلاقي ( بين أفراد المجتمع عبر الحوار العقلاني ) والنقدي( الذي يبين هيمنة واستعمار السلطة والسوق للرأي العام ومجاله وبالتالي يتحكمون بمصير المجتمع) هي الكفيلة بإعادة هيكلة الرأي العام الناجح المؤثر بفعالية على قرارات السلطة ورجال السياسة . ومن ذلك يجب أن يكون الرأي العام "صندوق رنّان للمشاكل الاجتماعية الشاملة "([7]) وبقدر مايسعى الرأي العام التأثير في السياسة العامة بل وفي النظام السياسي ككل ، نجد أن العكس - أيضا موجود وبقوة ووضوح- وهو تدخل السلطة عبر أدواتها مثل الأحزاب {ووسائل الإعلام} في التأثير على الرأي العام ([8]) .
وعليه يبقى الجدل قائما بين السلطة والرأي العام عبر تبادل التأثير وذلك ما ينعكس على السياسة العامة .
قيام الرأي العام في العراق
عقبات لابد من تجاوزها

بعد ما تقدم من توضيح لمعنى الرأي العام والأسس والشروط التي يجب توفرها فإنه تتضح الإجابة عن التساؤل الذي يستفهم حول إمكانية وجود رأي عام في العراق . وهي ( أي الإجابة) انه غير موجود وهذا لا يعني انه كان وقد اختفى بسبب الظروف السياسية التي مر ويمر بها العراق منذ عام 2003 ، لا بل إن غياب الرأي العام يمتد إلى حقبات ابعد وأكثر عمقا في جذورها التاريخية ، وقد لا أبالغ إن قلت إنها تمتد إلى نشوء أولى النظم السياسية الغابرة ، حيث إن الولاء والرأي الأول والأخير لم يكن لمجموع الشعب وإرادتهم العامة وعليه لم يكن بإستطاعتهم أن يعوا أهمية أن يكونوا هم أصحاب الموقف ، بل كانت سياسة الاتكال القهري و القسري هي النافذة ، لذلك كانت الأمور موكولة إلى الكهنة تارة والى الحكام تارة أخرى ، وامتد وتواصل هذا المشروع حتى الفترة المعاصرة ، وبالرغم من ظهوره( الرأي العام) بشكل واضح وجلي في منتصف القرن الثامن عشر (1712-1778) مع روسو ومفهوم الإرادة العامة وان كانت تمثل أعظم من مفهوم الرأي العام الدارج اليوم إذ كانت تمثل السلطة الحقيقة والسيادة الجمعية للشعب على السلطة وليس في قبالها ، إلا إن الرأي العام وان اخذ ينحت باتجاه كونه موقف جمعي مثل الأغلبية أو إجماع المجتمع تجاه قضية من قضايا الشأن العام أو الشأن السياسي ، إلا إن العراق لم يستطع أن يستقبل هذا الضيف ،حاله حال الدول الشرق أوسطية التي كانت خاضعة لحكم إمبراطوريات تعسفية متطرفة دينيا ، أو تداول لإحتلالات واستغلال من قبل دول أجنبية ، دعا كل ذلك إلى عرقلة تنمية الفكر العراقي كجزء من كل هو معظم الشرق الأوسط ( أو ما يسمى بالعالم العربي) إلا إن بادرة الأمل كانت قد سجلت حينما تأسست الدولة العراقية كدولة بالمفهوم الحديث الذي يعتمد الشعب والحدود الجغرافية والسلطة السياسية أُسساً له .
إلا إن النظام الملكي وانتهاجه منهج وبرنامج إبقاء الحال على ماهو عليه باستثناء الخواص من الإقطاعيين والبرجوازيين ( واقصد بهم أصحاب الامتيازات والوجهاء وملاك رؤوس الأموال و..) كان بدوره يعد عقبة أخرى في سبيل تنمية الواقع العراقي الاجتماعي وبالتالي عرقلة قيام رأي عام أو حتى قيام أي رأي جمعي .
وتتالت الحكومات وبقي مشروع الإبقاء على ثقافة التخصيص الفئوي لرجالات السلطة وبالتالي للمؤثرين في القرار العراقي السياسي مقتصرا في كل فترة على أناس دونما غيرهم متناسين بذلك إنهم قتلوا موضوعة التجانس الاجتماعي ومحاولة تذويب الفوارق الاجتماعية والسياسية التي نشأت بسبب هذه السلوكيات .
وكذلك وحينما ظهر مفهوم وممارسة الحزب السياسي في العراق فإنه لم يستطع أن يتعامل مع موضوعة الرأي العام وتنميته وذلك لأسباب مختلفة منها هلامية معالم الحزب نفسه وتمثيله للأقلية في اغلب التجارب في العراق ،و اعتماد موضوع الحزب المهيمن والأوحد كنموذج للممارسة الحزبية في العراق مما حدا بالرأي العام لان يكون خاضعة لقوة السلطة ( العسكرية وغيره ) كما أصبح أسيراً لشبكات الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة والتي أحكمت القبضة على حرية الرأي عبر توجيهه في صالح السلطة على الدوام .
وحينما وصل العراق إلى المرحلة الجديدة عام 2003 والتي هدت النظام الاستبدادي معلنة بداية جديدة شبيهة بمرحلة تأسيس الدولة العراقية في العشرينات ، وذلك عبر محاولة إقامة نظام سياسي لم يشهده العراقيون ولم يعوه بعد ( النظام الديمقراطي الحاضر ، والملكي النيابي سابقا) وبعد انبثاق أول الدساتير المشرعة باستفتاء شعبي في العراق وتأسيس البرلمان وانتخاب أول حكومة كمشاركة فعلية للشعب وخالية من الهيمنة والاستبداد نوعا ما ، نشأ نظام تعددي حزبي نقل المعادلة من الحزب الواحد إلى انفراط عقد التعددية الحزبية لتجد نفسها أمام أزمة أخرى وعقبة مضافة في طريق تكوين الرأي العام في العراق ، لان المعلوم إن اغلب الأحزاب المتشكلة بالعراق أصبحت تشبه العمل النقابي الذي يمثل فئات معينة من الشعب دون غيرها (المصالح الخاصة لفئة دونما غيرها) ، وذلك سبب غياب الأحزاب الوطنية الكبرى ( عن التأثير والتمثيل )والتي يمكن لها أن تمثل الطموح .
إذن يمكنني أن أوجز عقبات قيام رأي عام في العراق بالاتي:
1- غياب مفهوم الأمة والذي تجلى تاريخيا بالتفضيل الطبقي والعرقي والديني والسياسي مما حدا بالتجانس الاجتماعي المفترض قيامه تلازما مع نشوء الدولة العراقية كدولة حديثة . وذلك لان الدولة الحديثة مرتبطة ارتباطا لصيقا بمفهوم الأمة .
2- ترتب على غياب مفهوم الأمة غياب إمكانية تمثيل حزب معين للشعب برمته أو أغلبيته ، لذلك أصبح العمل الحزبي رهين المصالح الفئوية والخاصة ؛ وان كان هذا الأمر ينطبق على الكثير من الأحزاب على المستوى العالمي .
3- غياب البيئة المناسبة لنشوء وتنمية الرأي العام واقصد بها : غياب فاعلية الصالونات الأدبية والثقافية واقتصارها إما على الابتعاد وهجرة الواقع وهي المهمة التي يقوم بها الفن العراقي اليوم أو عبر المنتوج الثقافي الذي ينأى بنفسه عن السياسة بسبب تراكمات الماضي (التي كممت الكثير من الأفواه وجففت الكثير من الأقلام) ، وان كان لا يخفى مساهمة البعض من الباحثين و الاكاديمين والمثقفين في إنتاج ما يمس الشأن العام تحليلا ونقدا ، إلا انه بقي للان محصورا في قفص المراكز الأكاديمية ،ومن المشاكل الأخرى التي تهدد قيام الميدان العام الذي هو أساس الرأي العام هو افتقاد هذه البيئة عناصر تكونها بسبب الإرهاب الفكري والجسدي الممارس من قبل البعض من فئات المجتمع العراقي ولاسيما الجماعات المتطرفة.

وعليه إذا أردنا أن ننشئ رأيا عاما عراقيا فإنه يتوجب السعي نحو بناء مفهوم الأمة العراقية ، وتخليص الأحزاب من الأطر التي أطرت نفسها بها ( الفئوية) نحو مشروع رحب هو الوطنية العراقية ، كما إننا يجب أن نسهم إسهاما واضحا مشتركا (مجتمعا وسلطة) في سبيل إعادة بناء المجال العام الذي هو البيئة والأرضية الواجب توفرها لخلق الرأي العام .

وهنالك من يعتقد بوجود رأي عام اليوم في العراق إلا إنه يجب أن يميز بين كونه تابع أو حر ومستقل هذا أولاً ، وثانيا إن مانشاهده من عمليات للتعبير عن الرأي الجمعي في العراق في غالبه يفتقد الروح المنهجية التي يتطلبها ممارسة الضغط أو تكوين المطالب والتي مازالت غير واضحة المعالم في كل التجمعات أو النقاشات حول موضوعات الشأن العراقي العام ؛ كما إنها في الغالب جاءت كردود فعل على ممارسات المغاير له في الهوية الفئوية ولم تكن تمثل الأمة العراقية.

المجلة السياسية والدولية في عددها الثالث عشر تنشر دراسة للاستاذ المحمداوي

دراسة للاستاذ المحمداوي تنشرها المجلة السياسية والدولية عن الديمقراطية ومفهومها ومعانيها في المجتمعات المتجانسة والمتعددة


نحن واستشراف المستقبل

مشروع حضاري بحاجة للانجاز

علي عبود المحمداوي
مدرس الفلسفة المساعد في كلية الآداب– جامعة بغداد
علم المستقبليات :(علم لبناء مشروع حضاري )

استشراف المستقبل ودراسته وما له من أهمية في حياة الإنسان ومجالات السياسة الدولية ومصالحها كل ذلك جعل منه موضوعاً مهماً وحيوياً ، وعلى أساس تلك الأهمية خصصت له عدداً من مراكز للبحوث والدراسات الاستراتيجية وجمعيات ومنظمات أخذت على عاتقها الاهتمام بهذا العلم والعمل من اجله ، "وبالرغم من أن الخبرة الإسلامية لازالت متواضعة بالقياس إلى التقدم الذي أحرزته الدول الأخرى في هذا المجال " وكذلك الواقع الفكري للعرب والمسلمين والذي يجعلهم حبيسي الماضي والتراث أكثر من أن يكونوا متطلعين إلى بناء مستقبل خاص أو نظرية فيه ، أو محاولة لصناعته " إلا أن محاولة التعرف على المستقبل والاهتمام به لم تكن وليدة عصرنا هذا أو من إبداعات الفكر الغربي على وجه الخصوص ، وإنما هي مسألة طبيعية بدأت منذ أن انفتح الإنسان القديم على أسرار الطبيعة وبدأت علاقته بالوجود .

البحث في المستقبل الغايات والأهداف :

والبحث عن الغاية والهدف من الوجود والبحث عن السعادة وتنظيم العمل والأفكار في سبيل المستقبل الأفضل إنما هي أفكار فلسفية قديمة متجددة وبذلك فان الموضوع اخذ أهميته من جهة كونه مسألة فلسفية ملحة و لحاجة الإنسان دائما إلى تفسير الوجود والبحث عن غايته كما قلنا انفاً ، فأساس فكرة البحث والتنظير والتخطيط لمستقبل ما ( هدف إنساني سابق بالقدم ) لا يجعل ممن يتناوله بالبحث والدراسة مقتصراً عليه وحكرا لانتماء الثقافي أو الفكري الخاص .

وعلم المستقبل (Futurology ) : هو علم يهدف إلى توقع الأحداث القادمة والاستعداد لها ومحاولة التأثير فيها ، وكذلك تطوير طرق أفضل للتفكير في عالم الغد ، وكذلك هو دراسة وتوقع وتأمل وارتياد وبحث لأحداث الغد المتوقعة ، وهو كانت دائماً محوراً رئيساً للأحوال الإنسانية فبقاء الإنسان نفسه يعتمد إلى حد كبير جداً على قدرته الواعية على تنظيم الأحداث الحالية في ضوء الخبرات السابقة والأهداف المستقبلية.



علم المستقبليات و العالم الإسلامي و العربي :

وفيما يخص عالمنا (الإسلامي والعربي ) فإن الكتابات في هذا المجال ظهرت مؤخراً و تعد نادرة إذا ما قورنت بالآخر (الغربي) ، ولا يعني ذلك إن الاهتمام باستشراف المستقبل مسألة مقصورة على المجتمعات الغربية ... إذ إن التفكير في المستقبل احد أهم الهواجس التي شغلت فكر الإنسان منذ بداية ظهوره على سطح الأرض في العصور المبكرة وخلال كل مراحل التاريخ فقد كان الإنسان يرصد دائماً الإحداث التي تدور حوله ويعمل على استشراف التغيرات المستقبلية ، وبعد أن انتبه الانا الإسلامي – العربي إلى أهمية علم المستقبليات والدراسات المستقبلية وتبين له انه يمكن أن يكون بديلاً جيدا عن أفكار الواقع الديني و القومي المبتني على أساس التراث المقدس - الذي لا يغيَّر ولا يطوَّر - فكان لزاماً عليه الالتفات إلى انه إذا أراد أن يبني مستقبل أو ينظر له ، فيجب أن تكون البداية من الآن ومن التوجه والنظر إلى واقعنا قبل النظر إلى الآخر ( الحضاري) ونقده ، وتنطلق المستقبليات من منطلق قدره المعلومات في المساعدة على رسم صورة المستقبل‏ ..‏ وإن لم يفكر أبناء الحضارة لمستقبلها فكر ورسم الآخرون لها ؛ تحت هذه المقولة لابد وان ننظر لحقل أو علم المستقبليات ونقدم فيه ما من شأنه أن ينأى بنا عن موقع التخلف والانغلاق والجهل ‏، والمقصود هنا إن هذا العلم في خدمه المفاوض والمخطط الاستراتيجي لدولة أو جماعة ما‏ ، ومن هذا يتبين ما لهذا العلم من أهمية في رسم صورة المستقبل بشأن الهوية اولاً والعلاقة مع الآخر ثانياً .

وقدمت في هذا المجال دراسات عدة من مفكرين عرب وإسلاميين تهدف إلى بناء مشروع نهضوي مستقبلي ، مشروع حضاري لا على أساس الواحدية التي تنفي الآخر بل على أساس مشروع حضاري إسلامي يقبل الآخر كموجود معترفاً به متسامحاً معه قابلاً لوجوده ككيان منفصل بهويته متصلا بتعامله وقبوله الآخر، واخترنا من هذه المشاريع مشروعين هما :

1) مشروع الجابري وعلم مستقبلات خاص بنا : يرى محمد عابد الجابري إن عدم تمكننا من تقديم فلسفة للتاريخ تعطي معنى لحاضرنا هو احد أسباب عجزنا عن التخطيط لمستقبلنا ، ذلك لان أية فلسفة للتاريخ ليست قيمتها في ذاتها فهي لا تقدم معارف علمية عن الماضي بل كل قيمتها بما تقوم به من دور في الحاضر ، وبحثاً عن تحديد لأهمية فلسفة التاريخ التقدمية أو ما يمكن أن تقدمه فلسفة التاريخ من فائدة أو اشتراك مع الدراسات المستقبلية التي تعد بالتقدم والنهوض ، يتعرض إلى بحث فكرة فلسفة التاريخ عند كل من ابن خلدون وكوندرسيه ، فهو يعتقد أن حاجة العرب لفلسفة التاريخ برزت مع ابن خلدون يوم كان حاضر الوطن العربي والإسلامي يشهد تغيرات متلاحقة مزدحمة ... ولما كانت هذه التغييرات تعكس في اتجاهها العام " تراجعاً" وليس تقدماً فلقد اتجه صاحب المقدمة إلى تفسير التراجع لا التقدم ... ومن هنا كانت فلسفة التاريخ الخلدونية فلسفة للتراجع ، في حين كانت فلسفة التاريخ عند مفكري أوروبا في عصر النهضة والتنوير فلسفة للتقدم ، ويتبين لنا مدى التفاؤل والأمل الذي يتمتع به مفكر تلك الفترة ، مع كون الظروف مشابهة لظروف ابن خلدون مع اختلاف نتيجة كل منهما ، وان السعي والتقدم والطموح هو ما يحكم الفكر الأوربي حينها على الخلاف تماماً من فكر ابن خلدون الذي تصور إن العالم قد انتهى .

ومع علم المستقبليات نجد أن الجابري يبني تخوفاته من هذا العلم ولاسيما الذي يطرح اليوم بشكل منظم ومستوفي لشروط التنظير والتخطيط إذ يعتقد إن " علم المستقبلات كما يطبق في الغرب اليوم ، هو بالنسبة إلينا شعوب العالم الثالث ، علم مخيف يبشر بالكارثة ، بالانحطاط ، والانقراض " ذلك لان الانطلاق من معطيات الحاضر العربي الذي يسوده التمزق الاجتماعي والتخلف الفكري وخاضع للهيمنة الإمبريالية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وأيديولوجيا ، لا يمكن أن يسمح لعلم المستقبلات ولا لأي علم آخر يعترف بمعطيات الواقع الراهن كحقائق موضوعية نهائية و من ثم يعمل على إسقاط ممكناتها على الغد القريب والبعيد أن يقدم لنا عن المستقبل إلا صورة طبق الأصل عن الحاضر نفسه ، إن لم تكن اشد شؤماً وأكثر ايلاماً وهي في جميع الأحوال لاتبعث على الأمل ولا تقود إلى العمل وعليه يرى الجابري انه يجب أن يكون لنا علم مستقبلات خاص بنا يبشر بالأمل ويحفز على العمل ويقول :" نحن بحاجة إلى أن نعيش مستقبلنا في حاضرنا ومتكئين على ماضينا " ولكن ليس مجرد حلم نهضوي مهلهل قابل للتفكك والتبخر تحت أي صدمة أو كابوس بل كحلم فلسفي عنيد ، حلم يصر على تحويل التاريخ ، حلم يقوم بوظيفة التطهير والإعلاء فيحقق للذات الحالمة ما هي بحاجته من الاستواء والطمأنينة والاتزان ومن ثم تحويل الحاضر كما يقول الجابري إلى جسر يصل بين المستقبلين : يدمج الماضي في المستقبل ويجعل المستقبل ميداناً لتحقيق الماضي واعني إنجاز ما ممكن تحقيقه فيه ولم يتحقق . و يصل الجابري إلى نتيجة صياغة المشروع الحضاري العربي الذي يعده مشروع الماضي ومشروع المستقبل إذ عبر عنه بالنزوع إلى تحقيق أهداف ثلاث هي : الوحدة والتمدين والعقلنة . ويرتبط عرض فكرة الجابري عن مشروع الوحدة العربية وتمدينها وعقلنتها بفكرة نقد الذات ومراجعتها وتنظيم امورها وهذا النقد كفيل باصلاح الرؤية نحو الاخر .

2)وفي المشروع الديني الإسلامي الحضاري يرى زكي الميلاد إن الدراسات المستقبلية في عالمنا العربي والإسلامي لن يتأتى له النهوض والتقدم إلا بشرطين أساسيين هما : اولاً : أن يرتفع العالم العربي والإسلامي بنفسه خطوات نحو التقدم العلمي، فالبلدان العربية والإسلامية ما لم تشهد تقدماً ملحوظاً في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية وحتى الطبيعية والتطبيقية فان نمو الدراسات المستقبلية وتطورها لا ينفصل وتقدم هذه العلوم، والتراجع الذي نلاحظه في ميادين العلوم إنما يكرس تراجعاً اشد في حقل الدراسات المستقبلية. ثانياً :إن مجالات البحث العلمي والدراسات المستقبلية بحاجة إلى دعم مالي يلبي كل حاجات ومستلزمات البحث والباحثين والاستعداد في العالم العربي والإسلامي لهذا الدعم لا يزال ضئيلاً ومحدوداً ،وبعد أن يناقش الميلاد مسألة حاجة عالمنا الإسلامي إلى علم المستقبليات والأسس التي تدعم قيام هذا المشروع نجده يصل إلى خلاصة أفكار ومناقشات يضعها في عدة نقاط لتأسيس علم مستقبليات إسلامي ويناقش فيه الوضع الراهن للعالم الإسلامي ومدى تأثيره السلبي إن استمر على ما هو عليه على الإسلام ، هادفا إلى تأسيس علم للمستقبليات يهتم بالشأن الإسلامي كنظرية بحاجة إلى تطبيق فعلي بعيداً عن واقع العالم الإسلامي المرير، ويضع كل ذلك بعدة نقاط وملاحظات منها: انه لا تزال قدرتنا في العالم العربي والإسلامي على دراسة المستقبل ومستقبل الإسلام والعالم الإسلامي على وجه التحديد تعاني من ضعف وقصور ، فهنالك حاجة ماسة إلى العناية بالدراسات المستقبلية الإسلامية وتطويرها في المؤسسات العلمية في المجتمعات الإسلامية وغني عن القول إن الدراسات المستقبلية الإسلامية لا يمكن أن تتم بصورتها المثلى إلا إذا تمت من خلال مراكز البحوث العلمية المتخصصة وإن مستقبلنا يجب أن نصنعه نحن بأيدينا لا أن يصنعه الآخرون لنا ، ونبتكره من داخل حضارتنا وهويتنا وثقافتنا ، لا من داخل حضارة وهوية وثقافة الآخرين ، والمستقبل الذي نريده لأنفسنا ، ليس هو بالضرورة المستقبل الذي يريده الآخرون لنا ، ونحن من يجب أن نختار طريقنا إلى المستقبل ، لا أن نقع في طريق الآخرين (بوعي أو من دون وعي) ، ونعتبره هو طريقنا إليه ويكفي ن نتعلم من الماضي والحاضر كيف نبني مستقبلنا و ، وبملخص للنقاط الأخرى التي يسردها الميلاد نجده يرى بان العالم الإسلامي بحاجة ماسة وملحة إلى إصلاحات على جميع الأصعدة العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وعلى المسلمين إعادة المكانة والقدسية والاحترام للعلم لأنه مع العلم توجد الحضارة والعكس صحيح ، كما وعى العالم الإسلامي الافادة من تجارب العالم الحضارية ، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الإسلام لديه القدرة الكبيرة على البناء والعمران وصنع التقدم والحضارة ، والمستقبل هو الأمل الذي ينبغي ن نبتكره بأنفسنا لبناء حضاري جديد في ظل عالم متغير ، وقد صحت مقولة إن المستقبل يبدأ من الآن ومن هنا ينبغي أن نبدأ.



لذا ونحن إذ نفكر في المستقبل ، إنما نحاول في ذلك أن نستعد لمواجهة الحوادث والطوارئ المتوقع منها أو الغير متوقع ، ويجب أن يكون ذلك الاستعداد من الأهمية بقدر ما نحاول من قراءة الأحداث وتشخيص الواقع الحاضر ، فالمستقبل ليس مشروعاً مطلقاً وعاما ً جاهزاً للتطبيق ، وإنما هو ما نصنعه نحن بأنفسنا ، وعالمنا عبر ما ننتجه من الواقع والحقائق ، فهو قدرتنا على ابتكار الجدد والمهم غير المسبوق ، مستقبلنا إذن ؛ هو رهاننا على أن نغير مما نحن فيه فكراً وممارسة نظريةً وتطبيقاً ولكي نغير علاقاتنا بذواتنا وبالواقع ولذا فمن يفكر في أمر المستقبل لا يرجم بالغيب ، وإنما يحاول أن يقرأ ما يحدث ليسهم في تشكيل العالم وصناعة مشاهده وأحداثه .يه او يرتبط بلا انفكاك .




جريدة الصباح تنشر مقالا للاستاذ المحمداوي بعنوان : الواقعية والاستهجان في نظرية المثقف الديني


علي عبود المحمداوي*


من هو المثقف؟ ماهو تعريفه ؟ وهل يمكن ان تكون الإضافة او التقييد مقبولة مع تسمية المثقف ، كأن نقول المثقف الديني على سبيل المثال؟ يعرف أركون المثقف بأنه "من يتحلى بروح مستقلة ،محبة للاستكشاف والتحري وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل بأسم حقوق الروح والفكر، ومنه نرى النقد هو ما لازم معنى المثقف ومهمته وفي إجابة على التساؤل الآنف الذكر في معنى المثقف الديني يحاول الميلاد ان يجد ذلك التناسق والتجانس بين مهمة المثقف والمهمة الدينية وذلك من خلال اشتراكهما في هدف قول الحق والذي يقابله في مفاهيم منظومة المثقف الفكرية بمصطلح النقد.
وأرى ان حقيقة النزعة النقدية هي جوهر وماهية المثقف ، وبالتالي فإن محاولة انتزاع النقد عن المثقف يمثل نفياً لهويته وكينونته ، ومنه نتساءل أين نجد المثقف الإسلامي او الديني ؟ وهل يستطيع ان يوجه نقداً حراً مفتوحاً مع وجود تعاليم وحدود وقيود وقوانين تحد وتؤطر من مستوى ذلك النقد؟

لقراءة التفاصيل اضغط على العنوان


صدور مجلة كتابات فلسفية العدد الثاني والاستاذ المحمداوي ينشر فيه دراسة حول الاحتمال واليقين في المنهج الاستقرائي

قسم الفلسفة في كلية الاداب - جامعة بغداد يصدر العدد الثاني من مجلة كتابات فلسفية والذي تضمن المواضيع الاتية :




1 اضاءات فلسفية في فكر كلود ليفي شتراوس/ أ.د. افراح لطفي عبد الله 1-25

2 العــولمــة * هل نخاف على هويتنا ؟/ د. نبيل رشاد سعيد 26-35

3 مشكلة الحضارة الغربية عند كولن ولسن /د.سليم عكيش الشمري 36-52

4 الموقف من العولمة في الخطاب العربي المعاصر/موقف التيار الماركسي العربي نموذجا /محمد معلى 53-75

5 السلطة، الديمقراطية، المجتمع المدني من منظور ( ارسطو ، جون لوك ، مونتسكيو)/ عدي حسن مزعل 76-103

6 أثر السلطة الجمعية على الضمير الفردي / م.م. احسان علي عبد الامير 104-114

7 نقد بوبر للمنهج التاريخي (التأريخانية)/ م.م. يسار احمد يوسف 115-129

8 النقد الماركسي لمفهوم المجتمع المدني .. ماركس وغرامشي نموذجا/ م.م. حيدر ناظم محمد 130-148

9 علاقة السلطة بالتصوف / م.م. علي فالح علي 149-167

10 أثر نقد نيتشه للميتافيزيقا في الفلسفة المعاصرة/ م.م. عبد الله عبد الهادي 168-182

11 جدلية الاحتمال واليقين في المنهج الاستقرائي / م.م. علي عبود المحمداوي 183-209

12 قراءة في كتاب : الشعور المأساوي بالحياة The tragic sense of life المؤلف:ميغل ده اونامونو المترجم:علي ابراهيم أشقر عرض: د.حنان علي عواضة 210-213


مشاركة الاستاذ علي عبود المحمداوي في عدد من المجلات العلمية العراقية




مجلة نداء الحرية في عددها الثامن 2009 تنشر دراسة للاستاذ علي عبود للمحمداوي بعنوان حوار الحضارات .. المنطلقات والعقبات ، وتصدر هذه المجلة عن مركز نداء الحرية للتطوير والتنمية البشرية وهو عبارة عن منظمة غير حكومية .











مجلة المواطنة والتعايش تنشر دراسة للاستاذ علي عبود المحمداوي بعنوان اشكالية التسامح والاعتراف بالاخر وذلك في عددها التاسع لعام 2009 وهي مجلة تصدر عن مركز وطن للدراسات











مجلة فكر حر تنشر دراسة للاستاذ علي عبود المحمداوي حول المجتمع المدني وذلك في عددها السابع لعام 2009 ، وهي مجلة تصدر عن التجمع الثقافي في شارع المتنبي وبالتعاون مع الجمعية العراقية للعلوم السياسية

موقع اقلام ثقافية ينشر دراسة للباحث المحمداوي بعنوان " اشكالية الديمقراطية من الدولة الامة الى الدولة التعددية "




موقع الاستاذ الميلاد يقدم تعريفا لكتاب الفكر الشيعي المعاصر للاستاذ علي عبود المحمداوي

موقع الاستاذ الميلاد يقدم تعريفا لكتاب الفكر الشيعي المعاصر للاستاذ علي عبود المحمداوي
نصه مايلي
صدور كتاب: الفكر الشيعي المعاصر رؤية في التجديد والإبداع الفلسفي.. الصدر, المدرسي, الميلاد نماذج
صدر في العاصمة السورية دمشق عن دار صفحات للدراسات والنشر, كتاب بعنوان: (الفكر الشيعي المعاصر رؤية في التجديد والإبداع الفلسفي.. الصدر, المدرسي, الميلاد نماذج), لمؤلفه الباحث العراقي الأستاذ علي عبود المحمداوي الذي يشغل منصب مدرس مساعد في قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة بغداد.
ويحاول الكتاب البحث عن ملامح وعناصر التجديد والإبداع الفكري والفلسفي في الفكر الإسلامي الشيعي المعاصر, بالاستناد على ثلاثة نماذج معاصرة, تمثلت في السيد محمد باقر الصدر, والسيد محمد تقي المدرسي, والأستاذ زكي الميلاد.
وقد حاول المؤلف الكشف عن عناصر التجديد والإبداع عند كل واحد من هؤلاء النماذج الثلاثة, حيث بدأ الحديث عن السيد الصدر, ثم السيد المدرسي, وفي القسم الثالث تحدث عن الأستاذ زكي الميلاد, حيث تطرق إلى مشروعه الفكري الذي يشتغل عليه, وأشار إلى بعض النظريات والاطروحات في هذا الشأن, وذلك بالاستناد على مؤلفاته وكتاباته وحواراته.
وفي خاتمة البحث اعتبر المؤلف أن الأستاذ الميلاد قد أبدع في مجالات عدة, يمكننا أن نذكر منها ما قدمه في مجال نظرية المعرفة وأسلمة المعرفة, ومقاربته للأصول على أنها منطق إسلامي. كما أبدع في قراءته الجديدة لجدلية السلطة والمثقف من خلال قراءة لتنوع ماهية هذه العلاقة, واختلاف تجلياته من إعلاء الثقافة على السياسة, إلى هيمنة السياسة على الثقافة, إلى مشكلة الخلط بين الثقافة والسياسة, ومن ثم معنى الثقافة كبديل عن السياسة.
كما نحت الميلاد معنى جديدا لمفهوم المثقف الديني وحدد له مهام أعادت له موقعه القوي بين نماذج المثقفين الآخرين، معتمدا في ذلك على أن روح المثقف والتي هي النقد لا تتعارض مع كون المثقف متدينا, وما إلى ذلك من تداعيات ونتائج.
وفي أهم ما قدمه الميلاد كمهتم بشؤون المسألة الحضارية هو نظريته في التعامل مع الآخر الحضاري, والتي جاءت بالضد من نظرية صراع الحضارات, وتصحيحا لنظرية حوار الحضارات, وهي تعارف الحضارات.
يقع الكتاب في 96 صفحة, قياس: 14,5 × 21,5.

الديمقراطية المباشرة في أثينا


قراءة في كتاب نماذج الديمقراطية - ديفيد هيلد - الجزء الاول - الفصل الاول
اصدار معهد الدراسات الاستراتيجية - بيروت

علي عبود المحمداوي
مدرس مساعد في جامعة بغداد – كلية الآداب – قسم الفلسفة

أثينا دولة المدينة :

في القرن الخامس قبل الميلاد ظهر تنظيما سياسيا اكثر تطوراً عن سابقه وذلك في اثينا اليونان ، وقد قام هذا التنظيم على فكرة الدولة المدينة وذلك خلاف ماكان وما ستكون عليه الدولة بعد اثينا وفي العصر الحديث ، (من اشكال الامبراطوريات الشرقية سابقا والغربية لاحقا ) ، ومنه يتبين ان معنى دولة المدينة كان له مواصفات مغايرة للاشكال الاخرى للدولة ومنها صغر الرقعة الجغرافية ، والتكيف الاجتماعي في المدينة الصغيرة ، وذلك سهل تطبيق النظام الديمقراطي المباشر مبررا بقلة المواطنين وتحديد عددهم .
مفاهيم رئيسة في السياسة الديمقراطية الاثينية :
1. مفهوم المواطن في اثينا :المواطن بالمفهوم الاثيني هو من يمتلك الحق في المشاركة المباشرة في الدولة وهو من كان ذكرا ومولودا في اثينا ، ويتوجب عليه ان يشارك في عملية بناء الحياة العامة ورعايتها .
ومن ذلك نشأت فكرة ان فضيلة الفرد مطابقة لفضيلة المواطن ، والتي يقصد منها ان الافراد لايحققوا ذواتهم الا من خلال مالهم من واجبات وماعليهم من حقوق وذلك عبر ممارستهم المباشرة التي لايمكن تحقيقها الا في دولة المدينة ، وذلك معنى التوافق بين الاخلاق والسياسة .
2. مفهوم استبداد المواطنين :يقصد من ذلك انه اذا كان المواطن (كما سبق هو الذكر المولود في اثينا ) هو من يقوم بالدورالسياسي في اثينا فان ذلك يقود الى استبداد هذه الفئة التي تستثني الاخرين من النساء والاجانب والعبيد من افراد المجتمع الاثيني لانهم خارج عنوان المواطنة ، بل وقد استثنو حتى من ولد في اثينا ولكنه لم يكن من اصلها بسبق تاريخي وانتماء جغرافي قديم لاثينا ، كل ذلك جعل نسبة المواطنين تمثل قلة في اثينا ومع ذلك فان هيلد يرى ان اختيارهم للادراة السياسية مبررا لانه يقابل بديلا اسوء وهو حكم القلة من المواطنين وليس كل المواطنين .
3. مفهوم الحرية والمساواة في اثينا : الحرية تعني حترام القاون ، لانه قانون المواطنين وبالتالي فكلهم متساوون امامه والحرية هي احد اهم المباديء بل والمبدأ الرئيس في النظام اليمقراطي .
وحسب مايرى ارسطو فان الحرية والمساواة يمكن النظر لهما عبر معياري :
· ان تكون الحاكم والمحكوم بالتناوب / والمساواة هنا تعني القاعدة العملية والاخلاقية للحرية لان الكل بالتساوي لهم هذا الحق اي حق ان يكون حاكما ومحكوما بالتناوب .
· ان تعيش كما تختار / وفي هذا تتعارض الحريات الشخصية ولكن المساواة حاضرة من خلال فكرة ان تعيش كما تشاء .
المثل والقيم السياسية في اثينا :
من اهم المثل في الفكر السياسي الاثيني الديمقرطي هي ( المساواة بين المواطنين ، الحرية ، احترام القانون ، العدالة ، طاعة من في موقع السلطة ، المبادرة لاتخاذ القرارات مباشرةً = الديمقراطية المباشرة )
وان كان البعض منها متداخلا كما سيتبين لاحقا كالحرية والمساواة والعدالة ..
وعلى العكس من السمات الايجابية في المثل والقيم الاثينية فهنالك مواصفات اخرى يمكن وصفها بالسلبية داخل النظام الديمقراطي الاثيني وهي :
الصدامات بين جماعات قيادية متنافسة . /شبكات تواصل وتآمر غير رسمية / بروز تكتلات شديدة التعارض تتخذ تدابير سريعة وحاسمة / هشاشة الجمعية العامة امام اللحظات المشحونة بالاثارة .
التنظيمات السياسية في اثينا :
الهيئة السيادية الاساسية = الجمعية : وتتكون من 6000 مواطن عملها هو ( جبي الضرائب ، اقرار النظام العام والمحافظة عليه ومراقبته ، النفي ، اقامة الحروب ، اعلان السلم ..)
الهيئة القضائية = مجموعة من القضاة : عددهم عشرة ينتخبون لمدة سنة ، مهمتهم هو ادارة جلسات المحاكم والحكم بالادانة او البراءة .
مجلس تنظيم القرارات : وعدده 500 عضو ، نسبة للعدد الكبير لاعضاء الجمعية يوكل امرتنظيم قرارات الجمعية واعمالها الى هذا المجلس .
لجنة الـ 50 عضو لتقديم المقترحات : تشكل من قبل مجلس الـ 500 ومهمتها تقديم المقترحات للجمعية ، ومدة اختيارها تكون لمدة شهر ويترأسها شخص واحد وليوم واحد .
مجلس الاحد عشر : ينتخبون بالقرعة سنوياً ومسؤليته ( السجن واقامة الاعدامات ) .
رأي افلاطون بالنظام الديمقراطي :
يجب ان نفهم بداية ان رأي افلاطون بالديمقراطية كان خاضعا لمبررات عدة مما جعله يظهر كردة فعل لها ، ومن تلك المبررات :
· هزيمة اثينا في حروبها تحت سلطة الديمقراطية وما سببته تلك الحروب من هلاك المدينة وتدهور احوالها .
· محاكمة استاذه سقراط واعدامه بشرب السم بتهمة افساد العقول والتعدي على الالهة ..
ذلك جعل افلاطون يكون رؤية او نقد فلسفي حول الديمقراطية فهو يرى هنا ان الديمقراطية هي صيغة مجتمع يعامل الجميع على انهم متساوون وهم ليسوا متساوون ، وذلك لميل افلاطون لحكم القلة المميزة بفضيلة المعرفة ، اذ لامساواة عادلة هنا ، وكذلك فان النظام الديمقراطي يجعل كل فرد يفعل مايريد تحت عنوان الحرية وهذا سبب الفوضى والغوغاء ويضرب مثال السفينة والربان .

رأي ارسطو بالنظام لديمقراطية :
بالرغم من موقفه الناقد للنظام الديمقراطي فانه يرى ان هنالك سمات عدة للديمقراطية يمكن اجمال اهمها بما يلي :انتخاب الجميع من قبل الجميع / حكم الجميع للجميع بالتناوب / شغل المواقع بالاقتراع / عدم جواز تولي المنصب نفسه مرتين للشخص الواحد / هنالك فترات معينة ومحددة لكل المناصب / عضوية الجميع للهيئات السياسية منتخبين من قبل الجميع / الجمعية سلطة السيادة في كل الامور /..
نهاية الحكم الاثيني الديمقراطي :
هنالك اسباب عدة لافول نجم اثينا الديمقراطية ومنها :
1/ اعتماد اثينا على العبيد لتشغيل مناجمها التي تعد مصدر التمويل لها ولزراعتها كذلك ، وبذلك يتبين هشاشة البنيان الاقصادي لدولة مدينة اثينا 2 / غياب البيروقراطية او موظفي الدولة فلا مؤسسات ادارية او تنظيمية وذلك زاد من ركة الوضع الاجتماعي والسياسي بالاضافة الى الموقف الاقتصادي لاثينا 3 /التكلفة المالية الكبيرة التي كانت تتكلفها اثينا من الحروب والقتال وتزايد تكاليف الاسلحة وتقنيات القتال ، ذلك جعلها تفقد استقلاليتها وانضمامها في ما بعد الى مدن اخرى .
انتهى النظام الديمقراطي الاثيني لكنه سجل نموذجا استثنائيا في في تاريخ الديمقراطية على مستوى الفكر والممارسة .